جلال الدين السيوطي

67

الأشباه والنظائر في النحو

مثل ذلك بالنّقرة « 1 » من الفضة ، فإنها كالمادة المجرّدة عن الصورة ، فالفضة من حيث هي فضة لا صورة لها ، فإذا صيغ منها جام أو مرآة أو قارورة ، كانت تلك الصورة مادة مخصوصة فهي فرع على المادة المجرّدة ، كذلك الفعل هو دليل الحدث وغيره ، والمصدر دليل الحدث وحده ، فبهذا يتحقّق كون الفعل فرعا لهذا الأصل . طريقة أخرى : وهي أن نقول : الفعل يشتمل لفظه على حروف زائدة على حروف المصدر ، تدلّ تلك الزيادة على معان زائدة على معنى المصدر ، فكان مشتقا من المصدر كضارب ومضروب ونحوهما ، ومعلوم أن ما لا زيادة فيه أصل لما فيه الزيادة . طريقة أخرى : وهي أن المصدر لو كان مشتقا من الفعل لأدهى ذلك إلى نقض المعاني الأولى ، وذلك يخلّ بالأصول . بيانه : أن لفظ الفعل يشتمل على حروف زائدة ومعان زائدة وهي دلالة على الزمان المخصوص ، وعلى الفاعل الواحد والجماعة والمؤنّث والحاضر والغائب والمصدر ، يذهب ذلك كلّه إلا الدلالة على الحدث ، وهذا نقض للأوضاع الأول ، والاشتقاق ينبغي أن يفيد تشييد الأصول وتوسعة المعاني ، وهذا عكس اشتقاق المصدر من الفعل . قال : واحتجّ الآخرون بوجهين : أحدهما : أن المصدر يعتلّ باعتلال الفعل والاعتلال حكم تسبقه علّته ، فإذا كان الاعتلال في الفعل أولا وجب أن يكون أصلا ، ومثال ذلك قولك صام صياما وقام قياما ، قالوا : وفي قام أصل اعتلت في الفعل فاعتلت في القيام ، وأنت لا تقول : اعتلّ قام لاعتلال القيام . والثاني : أن الفعل يعمل في المصدر كقولك : ضربته ضربا ، فضربا منصوب بضربت ، والعامل مؤثر في المعمول ، والمؤثّر أقوى من المؤثّر فيه ، والقوة تجعل القويّ أصلا لغيره . قال : والجواب عن الأول أنه غير دالّ على قولهم ، وذلك أن الاعتلال شيء يوجبه التصريف وثقل الحروف ، وباب ذلك الأفعال ؛ صيغها تختلف لاختلاف معانيها ، فقام أصله قوم فأبدلت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فإذا ذكرت المصدر من ذلك كانت العلّة الموجبة للتغيير قائمة في المصدر وهو الثقل .

--> ( 1 ) النّقرة : الفضّة المذابة ، أو هي القطعة المذابة من الذهب والفضة .